أمين أ. ر.
لا يحق لأردوغان الاعتراض على مسلسل "حريم السلطان" من منطلق أن هذا المسلسل يُظهر شخصية السلطان سليمان وكأنه مجرّد زير نساء، وينتقص من القيمة القومية والتاريخية لأحد سلاطين بني عثمان، ويتعارض مضمونه مع المسلسلات التركية التي أدمنها الجمهور العربي المأخوذ بها لدرجة الهوس.
إن المتابع لـ"حريم السلطان"، أو من يشاهد بضع حلقات منه، لا تلفته "حريميات" السلطان بقدر ما تستفزّه ذهنية التسلّط والظلم وسياسة السحق بحقّ كل من كان يقف بوجه السلاطين الأتراك ومصالح "الدولة العليّة"، وكأن أردوغان من خلال اعتراضه على المسلسل، يسلب الأحفاد في الدول التي استعمرتها امبراطوريته الزائلة، حقّهم في معرفة معاناة وعذابات أجدادهم، وما واجهوه من قتل وتنكيل وتجويع تحت حكم إحدى أظلم الدول التي عرفها التاريخ، علماً أن معظم الناس لم تكن بحاجة إلى مسلسل يكشف التاريخ، ومن لم يقرأ "مآثر" الأتراك من خلال مقاعد الدراسة، فقد سمع حتماً من الآباء والأجداد عن موبقات ارتكبها بنو عثمان بحق الإنسانية على مدى أربعة قرون من الزمان.
ليس مستغرباً من أردوغان رفضه كشف التاريخ، ما دامت الثقافة التركية ناكرة للتاريخ، وترفض الاعتراف بذبح مليون أرمني، وتنحر الأكراد منذ عقود، وتحاور زعيمهم وهو سجين قضبانها للحصول منه على تنازلات، وتقرّ تدريس اللغة الكردية في مدارس تركيا لإرضاء أكراد الداخل واحتواء غضبهم، جراء المجازر بحق أهلهم خارج الحدود على أيدي الجيش التركي، وتشرّع لنفسها هي التي تدّعي الإسلام، أن تجاهر باتفاقيات عسكرية مع كيان إرهابي يدنّس مقدّسات المسلمين في فلسطين.
مهما تذاكى أردوغان فلن ينجح بإعطاء صورة مغايرة لبلد ينتمي لإثنيّة ثقافتها السلطنة والسلطة والتسلّط، ولأحلام التوسّع والاستعمار التي تستوطن الفكر التركي بالوراثة، حتى ولو نجح إرث مصطفى كمال أتاتورك في ضبط إيقاع العنصرية، ولجمها جزئياً خلال العقود القليلة الماضية، وإعطاء صورة حضارية عن تركيا العلمانية المنفتحة على الشرق المتوسطي، والطامحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والمُجنّدة حديثاً لدى أميركا عبر التحاقها بمشروع الدرع الصاروخية لحلف الناتو في سبتمبر 2011، مع ما سبق ذلك من توقيع لـ60 اتفاقية دفاعية مع "إسرائيل" في يناير 2010، حين أعلن وزير دفاع تركيا بعد التوقيع صراحة: "علاقاتنا معهم تحالف استراتيجي ما دامت مصالحنا المشتركة تقتضي ذلك"، ولا بأس لو اصطادت "إسرائيل" تسعة أتراك على متن سفينة مرمرة، في "استعراض إغاثة غزّة" خلال شهر مايو من العام نفسه، ولم تحصل تركيا على اعتذار ممن تاريخهم أقذر من تاريخها.
ثم لا يحق لأردوغان الاعتراض على مسلسل يكشف حقائق تاريخية، ما دام حزب "العدالة والتنمية" التركي هو بحد ذاته واحداً من المسلسلات التركية، وبات اسماً جاذباً ومدعاة فخر للثوار "المنتصرين"، يتباهون بإطلاقه على الأحزاب التي أنتجتها الثورات من تونس، وصولاً إلى مصر، حيث "حزب العدالة" بالنسخة المصرية تيمّناً بالأتراك، وحيث لا تحقّقت عدالة لشعب انتقل من الديكتاتورية إلى الراديكالية، ولا تنمية سوى في المزيد من التشرذم والفقر وازدهار العشوائيات.
وسط شرق غابت شمس عربانه، وعلى أشلاء جسم عربي مفكّك، هيأ أردوغان نفسه؛ تنمية داخلية أمّنت له هيبة الحاكم وأهابت المعارضة، وتحالفات خارجية أهّلته لأن يكون شرطي المنطقة وضابط إيقاع ربيعها، فتدخّل سياسياً في الصومال والسودان واليمن وتونس، وانحنى له مرسي مصر، كما فعل أمام ملك السعودية وأمير قطر، انحناءة المحتاج لبضعة ملاليم لإنقاذ نفسه من لعنة بورصة تنهار كل يوم وتنهار معها أحلام حزب العدالة وطموحات "الإخوان".
وعلى أشلاء جامعة عربية ماتت سريرياً، توّج أردوغان نفسه سلطاناً، وباتت أنقرة عاصمة القرارات، وحاضنة المؤتمرات وصانعة المؤامرات، بمباركة شركاء المصالح في الغرب ونواطير البترول في الشرق، وتدفّقت عبر تركيا كل أشكال الدعم لمن تدفّقوا وانضووا تحت مسمى "الثورة السورية"، ومن تركيا دون سواها يتمّ ضخّ الوقود الحاقدة لإحراق بلد سبق للسلاطين الأتراك أن أحرقوها، لكن لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء، سيشهد التاريخ القريب مسلسلاً سياسياً بعنوان "حريق أردوغان"، بنهاية درامية ونهاية "البطل".
لا يحق لأردوغان الاعتراض على مسلسل "حريم السلطان" من منطلق أن هذا المسلسل يُظهر شخصية السلطان سليمان وكأنه مجرّد زير نساء، وينتقص من القيمة القومية والتاريخية لأحد سلاطين بني عثمان، ويتعارض مضمونه مع المسلسلات التركية التي أدمنها الجمهور العربي المأخوذ بها لدرجة الهوس.
إن المتابع لـ"حريم السلطان"، أو من يشاهد بضع حلقات منه، لا تلفته "حريميات" السلطان بقدر ما تستفزّه ذهنية التسلّط والظلم وسياسة السحق بحقّ كل من كان يقف بوجه السلاطين الأتراك ومصالح "الدولة العليّة"، وكأن أردوغان من خلال اعتراضه على المسلسل، يسلب الأحفاد في الدول التي استعمرتها امبراطوريته الزائلة، حقّهم في معرفة معاناة وعذابات أجدادهم، وما واجهوه من قتل وتنكيل وتجويع تحت حكم إحدى أظلم الدول التي عرفها التاريخ، علماً أن معظم الناس لم تكن بحاجة إلى مسلسل يكشف التاريخ، ومن لم يقرأ "مآثر" الأتراك من خلال مقاعد الدراسة، فقد سمع حتماً من الآباء والأجداد عن موبقات ارتكبها بنو عثمان بحق الإنسانية على مدى أربعة قرون من الزمان.
ليس مستغرباً من أردوغان رفضه كشف التاريخ، ما دامت الثقافة التركية ناكرة للتاريخ، وترفض الاعتراف بذبح مليون أرمني، وتنحر الأكراد منذ عقود، وتحاور زعيمهم وهو سجين قضبانها للحصول منه على تنازلات، وتقرّ تدريس اللغة الكردية في مدارس تركيا لإرضاء أكراد الداخل واحتواء غضبهم، جراء المجازر بحق أهلهم خارج الحدود على أيدي الجيش التركي، وتشرّع لنفسها هي التي تدّعي الإسلام، أن تجاهر باتفاقيات عسكرية مع كيان إرهابي يدنّس مقدّسات المسلمين في فلسطين.
مهما تذاكى أردوغان فلن ينجح بإعطاء صورة مغايرة لبلد ينتمي لإثنيّة ثقافتها السلطنة والسلطة والتسلّط، ولأحلام التوسّع والاستعمار التي تستوطن الفكر التركي بالوراثة، حتى ولو نجح إرث مصطفى كمال أتاتورك في ضبط إيقاع العنصرية، ولجمها جزئياً خلال العقود القليلة الماضية، وإعطاء صورة حضارية عن تركيا العلمانية المنفتحة على الشرق المتوسطي، والطامحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والمُجنّدة حديثاً لدى أميركا عبر التحاقها بمشروع الدرع الصاروخية لحلف الناتو في سبتمبر 2011، مع ما سبق ذلك من توقيع لـ60 اتفاقية دفاعية مع "إسرائيل" في يناير 2010، حين أعلن وزير دفاع تركيا بعد التوقيع صراحة: "علاقاتنا معهم تحالف استراتيجي ما دامت مصالحنا المشتركة تقتضي ذلك"، ولا بأس لو اصطادت "إسرائيل" تسعة أتراك على متن سفينة مرمرة، في "استعراض إغاثة غزّة" خلال شهر مايو من العام نفسه، ولم تحصل تركيا على اعتذار ممن تاريخهم أقذر من تاريخها.
ثم لا يحق لأردوغان الاعتراض على مسلسل يكشف حقائق تاريخية، ما دام حزب "العدالة والتنمية" التركي هو بحد ذاته واحداً من المسلسلات التركية، وبات اسماً جاذباً ومدعاة فخر للثوار "المنتصرين"، يتباهون بإطلاقه على الأحزاب التي أنتجتها الثورات من تونس، وصولاً إلى مصر، حيث "حزب العدالة" بالنسخة المصرية تيمّناً بالأتراك، وحيث لا تحقّقت عدالة لشعب انتقل من الديكتاتورية إلى الراديكالية، ولا تنمية سوى في المزيد من التشرذم والفقر وازدهار العشوائيات.
وسط شرق غابت شمس عربانه، وعلى أشلاء جسم عربي مفكّك، هيأ أردوغان نفسه؛ تنمية داخلية أمّنت له هيبة الحاكم وأهابت المعارضة، وتحالفات خارجية أهّلته لأن يكون شرطي المنطقة وضابط إيقاع ربيعها، فتدخّل سياسياً في الصومال والسودان واليمن وتونس، وانحنى له مرسي مصر، كما فعل أمام ملك السعودية وأمير قطر، انحناءة المحتاج لبضعة ملاليم لإنقاذ نفسه من لعنة بورصة تنهار كل يوم وتنهار معها أحلام حزب العدالة وطموحات "الإخوان".
وعلى أشلاء جامعة عربية ماتت سريرياً، توّج أردوغان نفسه سلطاناً، وباتت أنقرة عاصمة القرارات، وحاضنة المؤتمرات وصانعة المؤامرات، بمباركة شركاء المصالح في الغرب ونواطير البترول في الشرق، وتدفّقت عبر تركيا كل أشكال الدعم لمن تدفّقوا وانضووا تحت مسمى "الثورة السورية"، ومن تركيا دون سواها يتمّ ضخّ الوقود الحاقدة لإحراق بلد سبق للسلاطين الأتراك أن أحرقوها، لكن لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء، سيشهد التاريخ القريب مسلسلاً سياسياً بعنوان "حريق أردوغان"، بنهاية درامية ونهاية "البطل".
0 التعليقات:
إرسال تعليق
على القرّاء كتابة تعليقاتهم بطريقة لائقة لا تتضمّن قدحًا وذمًّا ولا تحرّض على العنف الاجتماعي أو السياسي أو المذهبي، أو تمسّ بالطفل أو العائلة.
إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع كما و لا نتحمل أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّاء التعليق المنشور .